السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
الاب والمربى والزوج والانسان:والدي عرض لي بأن دخول السينما أمر لا يليق بالمسلم فلم أحاول أن أدخلها قط.
إن ما يعلمه الناس من أمر الإمام الشهيد حسن البنا أقل بكثير من حقيقته وباطنه أفضل آلاف المرات من ظاهره هو شخصية واحدة داخل بيته وخارجهقدوة حسنة لكل أفراد أسرته ولكل إخوانه في جماعة الإخوان المسلمين. "
هذا ما قاله لنا نجل الإمام الشهيد الأستاذ أحمد سيف الإسلام المحامي بالنقض وعضو مجلس الشعب عندما طلبنا منه أن يحدثنا عن والده حسن البنا الأب والمربي والزوج والداعية.
أهداني والدي مكتبة خاصة بي وقرر لي مصروفا شهريا لشراء الكتب.
عندما دفع بي والدي إلى مطبعة الإخوان في الأجازة الصيفية وذكر الحديث النبوي الشريف ""إن الله يحب المؤمن المحترف"".
والأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا الذي يحدثنا عن بعض الجوانب الخاصة من حياة الإمام الشهيد هو الابن الوحيد الذكر ـ لوالده ولد في 22 نوفمبر سنة 1934 وحصل على ليسانس الحقوق سنة 1956 وليسانس دار العلوم سنة 1957، وتربطه بوالده كما يقول ـ فضلا عن رابطة البنوة التي يعتز بها ـ رابطة الأبوة في الدعوة والجندية، ويقول عن نفسه إنني والحمد لله جندي في دعوة الإخوان المسلمين قبل أن أولد.
الرجل المؤمن
من أقوال الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله : ""إذا وجد الرجل المؤمن وجدت معه عوامل النجاح"".
يقول الأستاذ سيف الإسلام معلقا إن هذه الجملة أشد ما تنطبق على الإمام نفسه لأن وقته ـ رضي الله عنه ـ كان فيه بركة كبيرة، وإن العمل الذي يستغرق في ساعات كان الله ييسره له في دقائق، ومع توفر الإخلاص يستطيع كل أخ أن يقوم بأعمال جمة في وقت يسير.
كان رحمه الله مثلا أعلى في كل ما يصدر عنه لإتقانه وحسن دراسته للقرآن الكريم ولتمسكه الشديد بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ نشأته الأولى في بيئة دينية وعلمية، وكأنما هيأه الله سبحانه وتعالى للدور الذي رسمه له في حياته بعد ذلك.
ونستطيع بعد هذه المقدمة أن إن الإمام حسن البنا قد خلق ليكون قدوة صالحة في كل أمر من أموره بما أخذه على نفسه من اتباع سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
اهتمامه بأبنائه
وعن اهتمام الإمام الشهيد بأبنائه ورعايته لهم يقول الأستاذ سيف الإسلام :
ـ لا أتزيد أو أبالغ في أمر من الأمور حينما أذكر أن الإمام حسن البنا كان رب أسرة مثاليا .. منذ أن وعيت لم أشعر يوما سواء في طفولتي أو صباي بأنه قصر في العناية بنا أو الاهتمام بأمورنا، بل لعلنا نعجب حينما نشعر أننا لم نصل إلى درجة في مثل هذه العناية.
كان لكل ابن منا من أبنائه حينما يولد (دوسيه) خاص يكتب فيه الإمام بخطه على وجه الدقة تاريخ ميلاده ـ ورقم قيده ـ وتواريخ تطعيمه.
ويحتفظ بجميع الشهادات (الروشتات) الطبية التي تمت معالجته بها، بحيث إذا أصيب أي منا بمرض استطاع أن يقدم للطبيب المعالج هذه الشهادات مسلسلة بتواريخها، ويرفق مع كل شهادة ملحوطة عامة. ثم ما أخذه من دواء ولمدة كم يوم، وكم استغرق هذا المرض، وهل أكمل الدواء أم لم يكمل.
وكذلك شهادات الدراسة كان والدي رحمه الله يضعها أولا بأول في هذا الدوسيه مسجلا عليها بعض الملاحظات مثل : سيف يحتاج إلى التقوية في كذا وضعيف في كذا .. وفاء تحتاج إلى المساعدة في مادة كذا ... وهكذا وبالجملة كان ما يختص بأحد أبنائه.
حسن البنا رب اسره
ـ كذلك كانت عناية الإمام الشهيد حسن البنا بأمور بيته عناية ممتازة، كان يكتب بنفسه لطلبات التي يحتاجها المنزل شهريا، ويدفعها في أول كل شهر إلى أحد الإخوان وهو الحاج سيد شهاب الدين صاحب محل البقالة الشهير ليوفر هذه الطلبات في كل شهر.
ـ كان رحمه الله عطوفا إلى أقصى درجة راعي مشاعر الطفولة في أبنائه بشكل كبير، كان لدية القدرة على جعلنا نطيعه دون ما حاجة إلى أمر، وكنا نعتبره بلا شيء له هيبة دون رغبة في مخالفته.
وأذكر أنه عرض لي بأن دخول السينما أمر لا يليق بالمسلم فلم أحاول أن أدخل السينما قط، بل ظللت حتى اليوم لم أدخلها وهذا من قوة تأثيره وجاذبيته.
ـ كان أقصى ما يعاقب به الواحد منا هو قرص الأذن وفي ذات مرة قرص أذني وهذا أكبر عقاب وقعه علي رحمه الله .. قرص أذني في الصباح لخطأ ارتكبته ولكنه اتصل بي تليفونيا في الساعة الحادية عشر صباحا ليطمئن علي وصالحني وكان لهذا أثر كبير في نفسي.
ـ كان كريما مع أبنائه .. أذكر أن كل واحد منا كان يأخذ مصروفا في سنة 1942، سنة 1943 ثلاثة قروش وهذا مبلغ كان يعتبر كبيرا في هذا الوقت لأن زملائي في المدرسة لم يكن الواحد يأخذ مصروفا غلا ربع قرش أو نصف قرض. "
تذكرت هذا حينما قرأت في احدى المجلات واسمها (مسامرات الحبيب) الحديث الذي أجرته مع والدي ولا زال هذا العدد عندي .. فقد سألته : هل تدخر شيئا من مرتبك ؟
فقال : إني لا أدخر شيئا لأنني أنفق كل مرتبي.
فسأله المحرر : إني لا أدخر شيئا لأنني أنفق كل مرتبي.
فسأله المحرر : كم تعطي لأبنائك من مصروف.
فقال : ثلاثة قروش للواحد.
هذا بالإضافة إلى بعض المبالغ التي كان يعطيها لنا في يوم الجمعة ويطلب منا توزيعها على بعض الفقراء في المسجد، وقد يكون هذا خمسة قروش أو عشرة قروش لا أذكر هذا بالضبط.
ولعلي أدركت بعد مرحلة معينة من السن أنه ـ رضي الله عنه ـ وأرضاه كان يتابع كل تصرفاتي متابعة دقيقة، ولكن دون أن ألحظ إلا عندما كبرت فعندما استعرض بعض تصرفات الوالد أعرف أنه كان يتابع تصرفاتي
طريقته فى التربيه :
أذكر أنه في إحدى السنوات نقل جزءا من مكتبة البيت إلى مقر مجلة الشهاب واشترى عدة مكتبات جديدة للمنزل، وكان نصيبي من هذا التغيير أن فزت بمكتبة صغيرة أهداها إلي الوالد، ومنحني مصروفا زيادة قدرة (خمسون قرشا كل شهر لشراء الكتب بمعرفتي وتكوين مكتبة خاصة بي.
وبحكم سني في ذلك الوقت فقد اشتريت عدة كتب من درب الجماميز ومنها روايات عن المغامرات البوليسية لأرسين لوبين وشارلوك هولمز وغيرهما، وحينما جاء الوالد متأخرا بالليل وجدني ساهرا أقرأ في هذه الروايات باهتمام شديد .. تركني ولم ينهني عن قراءتها ولكن حينما انتهيت من قراءة هذه الروايات قال : سأعطيك شيئا أحسن منها وبدأ يغذيني ببعض الكتب منها سيرة الأميرة ذات الهمة، وسيرة عنترة بن شداد، وشيف بن ذي يزن وبعض روايات البطولة الإسلامية، ثم بعد ذلك دفع إلي بكتاب سيرة عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ وأرضاه وغيره من الكتب المفيدة.
وشعرت في هذه الأثناء أنه يتابع قراءتي بدقة رغم انشغاله بأموره الدعوة.
وكان من عادته رحمه الله أن يعتمد في تربيتا على الأسلوب غير المباشر .. أسلوب التعريض دون الطلب .. وكان في كثير من الأوقات وخصوصا في رمضان إذا حضر المنزل واستراح قليلا يستيقظ قبل المغرب بساعة تقريبا ويدعوني أنا والأخت الكبرى وفاء بدعوى أن نسمع له القرآن الكريم .. فكنا نمسك المصحف وننظر فيه ووالدي يسمعنا .. وكان قد يسهو علينا أن نتابعه فكان يشير إلى الصفحة التي يقرأ فيها ويقول : أنا أقرأ هنا.
وقد أدركت لما كبرت أن غرضه رحمه الله من هذا العمل هو تعليمنا من حيث لا ندري ولا نشعر كيف نتلو القرآن !
وأذكر وأنا صغير في المرحلة الابتدائية أن والدي رحمه الله قال : على كل فرد أن يتقن حرفة، وكان رحمه الله يتقن إصلاح الساعات، فأخذني ذات مرة في الإجازة الصيفية، ودفع بي إلى مطبعة الأخوان المسلمين وطلب من مديرها الأخ سيد طه أن يتولاني برعايته ويعلمني شيئا، وذلك لحرصه على تطبيق السنة ""إن الله يحب المؤمن المحترف"" ولا أتجاوز إذا قلت إن هذه الفترة القصيرة نفعتني كثيرا في حياتي العملية بعد ذلك.
الزوج واكرامه لاهل زوجته:
ويضيف الأخ الأستاذ أحمد سيف الإسلام :
ـ لقد كان والدي رحمه الله يحرص على تطبيق السنة تطبيقا متناهيا، وحينما تزوج حرص رضي الله عنه على أن يعرف أقارب زوجته فردا فردا وكل يربطه بزوجة صلة الرحم، وأحصاهم عدا وزارهم جميعا ووصلهم جميعا رغم بعد أماكنهم، أو بعدهم بعضهم عن البعض بسبب الظروف العائلية المتوارثة كأن يكونوا ليسوا أشقاء مثلا ... ولكن الوالد رحمه الله كان يفاجئ والدتي بأنه اليوم قد زار (فلانا) وهذا يمت لها بصلة القرابة عن طريق (فلان) لأنه ابن فلان، وهذا يرجع إلى دقته المتناهية في الالتزام بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . كان رحمه الله رقيق الشماعر .. كان يعود للمنزل دائما متأخرا بعد انتهاء العمل مع الإخوان، وأذكر أن مفتاح المنزل كان طويلا .. وكنت أسعر في بعض الليالي للقراءة .. فكان رحمه الله يفتح الباب بالمفتاح الذي معه بمنتهى الدقة والهدوء حتى لا يزعج أحدا من النائمين فكنت أفاجأ بدخوله.
كان يدخل البيت فيطمئن على غطاء كل الأبناء، وقد يتناول عشاءه الذي يكون معدا على المائدة ومغطى، دون أن يحرص على إيقاظ أمي أو أحدا من أهل البيت لحضوره في هذه الساعة المتأخرة من الليل."
معاملته مع الخادمه
كان يتواجد في المنزل خادمة صغيرة تساعد الوالدة في شئون المنزل .. وكان لكل منا سرير مستقل ودرج مستقل في دولاب واحد ... وكان للخادمة أيضا سرير مستقل ودرج في نفس الدولاب، وكان أبي يكلف الشقيقة الكبرى الأخت وفاء بأن تعلم هذه الخادمة في المساء القراءة والكتابة وأن تعلمها الصلاة.
وأذكر أن أبي في إحدى المرات قد ذكر لنا عندما عاد إلى المنزل أنه قد زار (فلانة) إحدى الخادمات بمنزلها بعد زواجها وكانت قد خدمت بمنزلنا فترة من الزمن وذلك حينما كان يزور بلدتها في المنوفية. "
حوار مع الوالد
ويختتم الأستاذ سيف الإسلام حسن البنا ذكرياته عن حياة والده بخاصة بقصة حوار دار بينه وبين والده على الغذاء فيقول :
لقد عاصرت والدي الإمام الشهيد رحمه الله لمدة عامين وأنا طالب بالمرحلة الثانوية وكان دخول المرحلة الثانوية هو الميلاد السياسي للشاب في ذلك الوقت، لأنه يستطيع أن يشترك في الجمعيات أو الأحزاب وأن يطبع كارت يكتب عليه اسمه وتحته لقب طالب ثانوي وأن يشترك في المظاهرات، وقد انضمت إلى قسم الطلاب في هذه المرحلة، وأذكر أن الذي كان يرأسه في ذلك الوقت الأستاذ فريد عبدالخالق، وكان زملائي في القسم مجموعة من طلاب مدرسة بمباقادن الثانوية، وكان مقرها بشارع إلهامي بالجملية بالقرب من المركز العام للإخوان المسلمين، وكنت بطبيعة الحال أشارك مع الأخوة في هذه المدرسة في نشاط قسم الطلاب وكنا ندير بالمدرسة مناقشات حول قضايا معظمها في المسألة الوطنية وقضية وادي النيل وإخراج الانجليز من مصر والسودان والوحدة بين مصر والسودان.
وحينما كنت أعود للمنزل وأتناول الغذاء مع الوالد كنت أسأله عما يجري ويحدث في المدرسة من مناقشات.
وأذكر أنني سألته مرة سؤالا صريحا : وماذا سنفعل مع الإنجليز إذا لم يخرجوا من مصر ؟ فقال الوالد : سنرسلك مع كتيبة لإخراجهم بالقوة وقد رددت عليه حينئذ ببيت عنترة بعد أن غيرت فيه الضمير وقلت له : وسيفك كان في الهيجا طبيبا يداوي رأس من يشكو الصداع وقد نلت في ذلك الوقت قبلة على جبيني لا زلت أتحسس موضعها حتى الآن.
فقد كنت على وعي تام بما يجري في هذا الوقت من أحداث وأمور سياسية، من واقع النضج السياسي الذي كانت تعيشه المدرسة الثانوية آنذاك، والتي كانت تتمثل فيها كافة طوائف الأحزاب الموجودة على الساحة في ذلك الوقت وأبرزهم الإخوان والوفد ..
لقد كان طلاب المدارس الثانوية في ذلك الوقت يتجاوبون بشدة مع الأحداث التي تجري في مصر والعالم الإسلامي حتى تسارع المدرسة الثانوية التجاوب معه بالإضرابات والمظاهرات.
رحمه الله رحمة واسعة
__________________بسم الله الرحمن الرحيم
الاب والمربى والزوج والانسان:والدي عرض لي بأن دخول السينما أمر لا يليق بالمسلم فلم أحاول أن أدخلها قط.
إن ما يعلمه الناس من أمر الإمام الشهيد حسن البنا أقل بكثير من حقيقته وباطنه أفضل آلاف المرات من ظاهره هو شخصية واحدة داخل بيته وخارجهقدوة حسنة لكل أفراد أسرته ولكل إخوانه في جماعة الإخوان المسلمين. "
هذا ما قاله لنا نجل الإمام الشهيد الأستاذ أحمد سيف الإسلام المحامي بالنقض وعضو مجلس الشعب عندما طلبنا منه أن يحدثنا عن والده حسن البنا الأب والمربي والزوج والداعية.
أهداني والدي مكتبة خاصة بي وقرر لي مصروفا شهريا لشراء الكتب.
عندما دفع بي والدي إلى مطبعة الإخوان في الأجازة الصيفية وذكر الحديث النبوي الشريف ""إن الله يحب المؤمن المحترف"".
والأستاذ أحمد سيف الإسلام حسن البنا الذي يحدثنا عن بعض الجوانب الخاصة من حياة الإمام الشهيد هو الابن الوحيد الذكر ـ لوالده ولد في 22 نوفمبر سنة 1934 وحصل على ليسانس الحقوق سنة 1956 وليسانس دار العلوم سنة 1957، وتربطه بوالده كما يقول ـ فضلا عن رابطة البنوة التي يعتز بها ـ رابطة الأبوة في الدعوة والجندية، ويقول عن نفسه إنني والحمد لله جندي في دعوة الإخوان المسلمين قبل أن أولد.
الرجل المؤمن
من أقوال الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله : ""إذا وجد الرجل المؤمن وجدت معه عوامل النجاح"".
يقول الأستاذ سيف الإسلام معلقا إن هذه الجملة أشد ما تنطبق على الإمام نفسه لأن وقته ـ رضي الله عنه ـ كان فيه بركة كبيرة، وإن العمل الذي يستغرق في ساعات كان الله ييسره له في دقائق، ومع توفر الإخلاص يستطيع كل أخ أن يقوم بأعمال جمة في وقت يسير.
كان رحمه الله مثلا أعلى في كل ما يصدر عنه لإتقانه وحسن دراسته للقرآن الكريم ولتمسكه الشديد بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منذ نشأته الأولى في بيئة دينية وعلمية، وكأنما هيأه الله سبحانه وتعالى للدور الذي رسمه له في حياته بعد ذلك.
ونستطيع بعد هذه المقدمة أن إن الإمام حسن البنا قد خلق ليكون قدوة صالحة في كل أمر من أموره بما أخذه على نفسه من اتباع سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
اهتمامه بأبنائه
وعن اهتمام الإمام الشهيد بأبنائه ورعايته لهم يقول الأستاذ سيف الإسلام :
ـ لا أتزيد أو أبالغ في أمر من الأمور حينما أذكر أن الإمام حسن البنا كان رب أسرة مثاليا .. منذ أن وعيت لم أشعر يوما سواء في طفولتي أو صباي بأنه قصر في العناية بنا أو الاهتمام بأمورنا، بل لعلنا نعجب حينما نشعر أننا لم نصل إلى درجة في مثل هذه العناية.
كان لكل ابن منا من أبنائه حينما يولد (دوسيه) خاص يكتب فيه الإمام بخطه على وجه الدقة تاريخ ميلاده ـ ورقم قيده ـ وتواريخ تطعيمه.
ويحتفظ بجميع الشهادات (الروشتات) الطبية التي تمت معالجته بها، بحيث إذا أصيب أي منا بمرض استطاع أن يقدم للطبيب المعالج هذه الشهادات مسلسلة بتواريخها، ويرفق مع كل شهادة ملحوطة عامة. ثم ما أخذه من دواء ولمدة كم يوم، وكم استغرق هذا المرض، وهل أكمل الدواء أم لم يكمل.
وكذلك شهادات الدراسة كان والدي رحمه الله يضعها أولا بأول في هذا الدوسيه مسجلا عليها بعض الملاحظات مثل : سيف يحتاج إلى التقوية في كذا وضعيف في كذا .. وفاء تحتاج إلى المساعدة في مادة كذا ... وهكذا وبالجملة كان ما يختص بأحد أبنائه.
حسن البنا رب اسره
ـ كذلك كانت عناية الإمام الشهيد حسن البنا بأمور بيته عناية ممتازة، كان يكتب بنفسه لطلبات التي يحتاجها المنزل شهريا، ويدفعها في أول كل شهر إلى أحد الإخوان وهو الحاج سيد شهاب الدين صاحب محل البقالة الشهير ليوفر هذه الطلبات في كل شهر.
ـ كان رحمه الله عطوفا إلى أقصى درجة راعي مشاعر الطفولة في أبنائه بشكل كبير، كان لدية القدرة على جعلنا نطيعه دون ما حاجة إلى أمر، وكنا نعتبره بلا شيء له هيبة دون رغبة في مخالفته.
وأذكر أنه عرض لي بأن دخول السينما أمر لا يليق بالمسلم فلم أحاول أن أدخل السينما قط، بل ظللت حتى اليوم لم أدخلها وهذا من قوة تأثيره وجاذبيته.
ـ كان أقصى ما يعاقب به الواحد منا هو قرص الأذن وفي ذات مرة قرص أذني وهذا أكبر عقاب وقعه علي رحمه الله .. قرص أذني في الصباح لخطأ ارتكبته ولكنه اتصل بي تليفونيا في الساعة الحادية عشر صباحا ليطمئن علي وصالحني وكان لهذا أثر كبير في نفسي.
ـ كان كريما مع أبنائه .. أذكر أن كل واحد منا كان يأخذ مصروفا في سنة 1942، سنة 1943 ثلاثة قروش وهذا مبلغ كان يعتبر كبيرا في هذا الوقت لأن زملائي في المدرسة لم يكن الواحد يأخذ مصروفا غلا ربع قرش أو نصف قرض. "
تذكرت هذا حينما قرأت في احدى المجلات واسمها (مسامرات الحبيب) الحديث الذي أجرته مع والدي ولا زال هذا العدد عندي .. فقد سألته : هل تدخر شيئا من مرتبك ؟
فقال : إني لا أدخر شيئا لأنني أنفق كل مرتبي.
فسأله المحرر : إني لا أدخر شيئا لأنني أنفق كل مرتبي.
فسأله المحرر : كم تعطي لأبنائك من مصروف.
فقال : ثلاثة قروش للواحد.
هذا بالإضافة إلى بعض المبالغ التي كان يعطيها لنا في يوم الجمعة ويطلب منا توزيعها على بعض الفقراء في المسجد، وقد يكون هذا خمسة قروش أو عشرة قروش لا أذكر هذا بالضبط.
ولعلي أدركت بعد مرحلة معينة من السن أنه ـ رضي الله عنه ـ وأرضاه كان يتابع كل تصرفاتي متابعة دقيقة، ولكن دون أن ألحظ إلا عندما كبرت فعندما استعرض بعض تصرفات الوالد أعرف أنه كان يتابع تصرفاتي
طريقته فى التربيه :
أذكر أنه في إحدى السنوات نقل جزءا من مكتبة البيت إلى مقر مجلة الشهاب واشترى عدة مكتبات جديدة للمنزل، وكان نصيبي من هذا التغيير أن فزت بمكتبة صغيرة أهداها إلي الوالد، ومنحني مصروفا زيادة قدرة (خمسون قرشا كل شهر لشراء الكتب بمعرفتي وتكوين مكتبة خاصة بي.
وبحكم سني في ذلك الوقت فقد اشتريت عدة كتب من درب الجماميز ومنها روايات عن المغامرات البوليسية لأرسين لوبين وشارلوك هولمز وغيرهما، وحينما جاء الوالد متأخرا بالليل وجدني ساهرا أقرأ في هذه الروايات باهتمام شديد .. تركني ولم ينهني عن قراءتها ولكن حينما انتهيت من قراءة هذه الروايات قال : سأعطيك شيئا أحسن منها وبدأ يغذيني ببعض الكتب منها سيرة الأميرة ذات الهمة، وسيرة عنترة بن شداد، وشيف بن ذي يزن وبعض روايات البطولة الإسلامية، ثم بعد ذلك دفع إلي بكتاب سيرة عمر بن عبدالعزيز ـ رضي الله عنه ـ وأرضاه وغيره من الكتب المفيدة.
وشعرت في هذه الأثناء أنه يتابع قراءتي بدقة رغم انشغاله بأموره الدعوة.
وكان من عادته رحمه الله أن يعتمد في تربيتا على الأسلوب غير المباشر .. أسلوب التعريض دون الطلب .. وكان في كثير من الأوقات وخصوصا في رمضان إذا حضر المنزل واستراح قليلا يستيقظ قبل المغرب بساعة تقريبا ويدعوني أنا والأخت الكبرى وفاء بدعوى أن نسمع له القرآن الكريم .. فكنا نمسك المصحف وننظر فيه ووالدي يسمعنا .. وكان قد يسهو علينا أن نتابعه فكان يشير إلى الصفحة التي يقرأ فيها ويقول : أنا أقرأ هنا.
وقد أدركت لما كبرت أن غرضه رحمه الله من هذا العمل هو تعليمنا من حيث لا ندري ولا نشعر كيف نتلو القرآن !
وأذكر وأنا صغير في المرحلة الابتدائية أن والدي رحمه الله قال : على كل فرد أن يتقن حرفة، وكان رحمه الله يتقن إصلاح الساعات، فأخذني ذات مرة في الإجازة الصيفية، ودفع بي إلى مطبعة الأخوان المسلمين وطلب من مديرها الأخ سيد طه أن يتولاني برعايته ويعلمني شيئا، وذلك لحرصه على تطبيق السنة ""إن الله يحب المؤمن المحترف"" ولا أتجاوز إذا قلت إن هذه الفترة القصيرة نفعتني كثيرا في حياتي العملية بعد ذلك.
الزوج واكرامه لاهل زوجته:
ويضيف الأخ الأستاذ أحمد سيف الإسلام :
ـ لقد كان والدي رحمه الله يحرص على تطبيق السنة تطبيقا متناهيا، وحينما تزوج حرص رضي الله عنه على أن يعرف أقارب زوجته فردا فردا وكل يربطه بزوجة صلة الرحم، وأحصاهم عدا وزارهم جميعا ووصلهم جميعا رغم بعد أماكنهم، أو بعدهم بعضهم عن البعض بسبب الظروف العائلية المتوارثة كأن يكونوا ليسوا أشقاء مثلا ... ولكن الوالد رحمه الله كان يفاجئ والدتي بأنه اليوم قد زار (فلانا) وهذا يمت لها بصلة القرابة عن طريق (فلان) لأنه ابن فلان، وهذا يرجع إلى دقته المتناهية في الالتزام بسنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . كان رحمه الله رقيق الشماعر .. كان يعود للمنزل دائما متأخرا بعد انتهاء العمل مع الإخوان، وأذكر أن مفتاح المنزل كان طويلا .. وكنت أسعر في بعض الليالي للقراءة .. فكان رحمه الله يفتح الباب بالمفتاح الذي معه بمنتهى الدقة والهدوء حتى لا يزعج أحدا من النائمين فكنت أفاجأ بدخوله.
كان يدخل البيت فيطمئن على غطاء كل الأبناء، وقد يتناول عشاءه الذي يكون معدا على المائدة ومغطى، دون أن يحرص على إيقاظ أمي أو أحدا من أهل البيت لحضوره في هذه الساعة المتأخرة من الليل."
معاملته مع الخادمه
كان يتواجد في المنزل خادمة صغيرة تساعد الوالدة في شئون المنزل .. وكان لكل منا سرير مستقل ودرج مستقل في دولاب واحد ... وكان للخادمة أيضا سرير مستقل ودرج في نفس الدولاب، وكان أبي يكلف الشقيقة الكبرى الأخت وفاء بأن تعلم هذه الخادمة في المساء القراءة والكتابة وأن تعلمها الصلاة.
وأذكر أن أبي في إحدى المرات قد ذكر لنا عندما عاد إلى المنزل أنه قد زار (فلانة) إحدى الخادمات بمنزلها بعد زواجها وكانت قد خدمت بمنزلنا فترة من الزمن وذلك حينما كان يزور بلدتها في المنوفية. "
حوار مع الوالد
ويختتم الأستاذ سيف الإسلام حسن البنا ذكرياته عن حياة والده بخاصة بقصة حوار دار بينه وبين والده على الغذاء فيقول :
لقد عاصرت والدي الإمام الشهيد رحمه الله لمدة عامين وأنا طالب بالمرحلة الثانوية وكان دخول المرحلة الثانوية هو الميلاد السياسي للشاب في ذلك الوقت، لأنه يستطيع أن يشترك في الجمعيات أو الأحزاب وأن يطبع كارت يكتب عليه اسمه وتحته لقب طالب ثانوي وأن يشترك في المظاهرات، وقد انضمت إلى قسم الطلاب في هذه المرحلة، وأذكر أن الذي كان يرأسه في ذلك الوقت الأستاذ فريد عبدالخالق، وكان زملائي في القسم مجموعة من طلاب مدرسة بمباقادن الثانوية، وكان مقرها بشارع إلهامي بالجملية بالقرب من المركز العام للإخوان المسلمين، وكنت بطبيعة الحال أشارك مع الأخوة في هذه المدرسة في نشاط قسم الطلاب وكنا ندير بالمدرسة مناقشات حول قضايا معظمها في المسألة الوطنية وقضية وادي النيل وإخراج الانجليز من مصر والسودان والوحدة بين مصر والسودان.
وحينما كنت أعود للمنزل وأتناول الغذاء مع الوالد كنت أسأله عما يجري ويحدث في المدرسة من مناقشات.
وأذكر أنني سألته مرة سؤالا صريحا : وماذا سنفعل مع الإنجليز إذا لم يخرجوا من مصر ؟ فقال الوالد : سنرسلك مع كتيبة لإخراجهم بالقوة وقد رددت عليه حينئذ ببيت عنترة بعد أن غيرت فيه الضمير وقلت له : وسيفك كان في الهيجا طبيبا يداوي رأس من يشكو الصداع وقد نلت في ذلك الوقت قبلة على جبيني لا زلت أتحسس موضعها حتى الآن.
فقد كنت على وعي تام بما يجري في هذا الوقت من أحداث وأمور سياسية، من واقع النضج السياسي الذي كانت تعيشه المدرسة الثانوية آنذاك، والتي كانت تتمثل فيها كافة طوائف الأحزاب الموجودة على الساحة في ذلك الوقت وأبرزهم الإخوان والوفد ..
لقد كان طلاب المدارس الثانوية في ذلك الوقت يتجاوبون بشدة مع الأحداث التي تجري في مصر والعالم الإسلامي حتى تسارع المدرسة الثانوية التجاوب معه بالإضرابات والمظاهرات.
رحمه الله رحمة واسعة

0 Comments:
Post a Comment